fbpx

متى ترضى عن بياناتك؟

كيف يمكن لمحترفي الظهور الإعلامي أن يجلسوا بكل اعتزاز حول طاولة الاجتماعات وفي حوزتهم بيانات قيّمة؟

07 أغسطس 2020 by

بدأت بالعمل الشاق في عالم قياس الظهور الإعلامي وتحليل المعلومات قبل نحو 14 عامًا وتبيّن لي في خلال هذه الفترة أنّ الظهور الإعلامي لطالما كان منبوذًا في مجالات الاتصالات. وعلى الرغم من أنّه أكثر موثوقية من الأنشطة الإعلامية المدفوعة أو المملوكة، إلّا أنه لا يحصل على الاهتمام أو الميزانيّة اللّذين يستحقهما.   

يعتبر تقرير وضع المهنة (State of the Profession)، الذي ينشره معهد تشارترد للعلاقات العامة (CIPR) سنويًا “سوء تمثيل الظهور الإعلامي على مستوى مجالس الإدارة” التحدي الأبرز الذي يواجه هذه الصناعة، متقدمًا بمركز واحد عن العام الماضي. 

 فعلى من يُلقى اللّوم؟ على قلّة الأدلّة. لا يترافق الظهور الإعلامي مع بيانات تثبت فاعليته وتأثيره، بعكس الظهور الإعلامي المدفوع والمملوك. 

لكن هل هل ما يجري بالفعل؟

هل تمتلك وسائل الإعلام المدفوعة والمملوكة أفضل البيانات؟ 

 لطالما ساد الاعتقاد أنّ وسائل الإعلام المدفوعة والمملوكة تقدّم أفضل البيانات وأكثرها تأثيرًا. عملت، على مدى السنوات القليلة الماضية، على برامج قياس متكاملة وتعمقت في بيانات وسائل الإعلام المدفوعة والمملوكة والمكتسبة.   

وكلّما عملت في مشاريع وبرامج مماثلة، كلّما اكتشفت أنّ القصة نفسها تتكرر في كلّ مكان: تعتمد تخصصات الاتصالات باختلافها على بيانات غير موثوقة وبالتالي تفشل في إعداد خطط واستراتجيّات مناسبة. فإذا كان من السهل بالنسبة لوسائل الإعلام المدفوعة والمملوكة الحصول على البيانات، هذا لا يعني أنّ هذه الوسائل أفضل في القياس وأنّ ما تقدّمه ذات قيمة. لسخرية القدر، ما تتقنه هو حسن تسويق نفسها وتعزيز ظهورها الإعلامي ليس إلا.     

تعتمد تخصصات الاتصالات باختلافها على بيانات غير موثوقة وبالتالي تفشل في إعداد خطط واستراتجيّات مناسبة 

المقاييس الزائفة عبارة تُستخدم كثيرًا في مجال قياس الظهور الإعلامي، بخاصة في ما يتعلّق بالانطباعات والحجم ومكافئ القيمة الإعلانيّة المغلوط. لكن هذه الأرقام الضخمة التي لا تعني الكثير موجودة في وسائل الإعلام المدفوعة والمملوكة وفي تلك المكتسبة على حد سواء. فتكثر الانطباعات وأرقام قياس مدى الوصول المشكوك فيها سواء كانت انطباعات إعلاميّة مدفوعة أو انطباعات صادرة عن موقع إلكتروني أو عن مواقع تواصل اجتماعي أو عن متابعين. 

وهذه الأرقام بأغلبها وهميّة وفارغة، أكانت في الوسائل المدفوعة أو المملوكة أو المكتسبة. فبمجرّد أنّها صادرة عن حملة إعلانيّة مدفوعة لا يعني أنّ الشك لا يرقى إليها: بعض المسائل الفنيّة (إذا يجب على سبيل المثال تحميل الإعلان بالكامل ومشاهدته ليحتسب الانطباع) وكثرة الآليين وتحليلات غوغل (Google Analytics) غير الدقيقية وغيرها من العوامل كفيلة في أن تثبت أنّ الأرقام قيد النظر تثير الشك تمامًا كالمقاييس الزائفة المكتسبة. 

هذه الأرقام الضخمة التي لا تعني الكثير موجودة في وسائل الإعلام المدفوعة والمملوكة تمامًا كما هي موجودة في وسائل الإعلام المكتسبة

الثغرات غير المعلنة للبيانات المدفوعة والمملوكة

ثمة مقاييس أخرى في وسائل الإعلام المدفوعة والمملوكة ليست فقط عبارة عن أرقام ضخمة إنما تبيّن نشاط الجمهور وتفاعله. هذا أمر جيّد، أليس كذلك؟ حسنًا ربمّا لا – إذ إن حجم النشاطات الاحتياليّة على الإنترنت لا يدفعنا إلى الوثوق بهذه الأرقام. وتشير بعض الدراسات إلى أنّ ما يصل إلى 90 في المئة من النقرات الناتجة من حملة إعلانيّة تكون نقرات آلية.  

ويشكك الكثيرون في عدد النقرات لدرجة أنّهم يرون نسبة النقر لدخول الموقع كمؤشر سلبي ونذير شؤم (أي أنّه نتيجة عمل الآليين- الكثير الكثير منهم). ولا تسهل إمكانيّة حذف ملفات تعريف الارتباط أو الكوكيز الخاصة بأي طرف ثالث (Third party cookies)، التي أطلقتها شركة غوغل عبر متصفّح كروم (Chrome) في بداية العام، فهم التفاعل الحقيقي للجمهور وسلوكه عبر شبكة الإنترنت.     

إن حجم النشاطات الاحتياليّة على الإنترنت لا يدفعنا إلى الوثوق بالأرقام، المدفوعة منها والمملوكة 

لاحظت أيضًا أنّ الحملات المدفوعة والمملوكة يشوبها نقص في التخطيط، غالبًا ما يتجلّى في الظهور الإعلامي ووسائل الإعلام المكتسبة. فقد تكون الحملات منسقة ومخططة بإمعان لناحية التنفيذ ومن منظور شراء المساحات الإعلانيّة في وسائل الإعلام، لكنّها، حسب خبرتي، لا تركز في كثير من الأحيان على وضع الأهداف تمامًا كما هي الحال في الاتصالات المكتسبة.  

وأظن أنّ كثرة البيانات سببها ما أتينا على ذكره الآن. فالفرق المدفوعة والمملوكة تعلم أنّ حملاتها لن تفتقر إلى البيانات، لا بل على العكس ستغرق في البيانات، من انطباعات إلى نقرات ومشاهدات وجلسات ومستخدمين ونسب تفاعل ومعدلات ارتداد والتكلفة لألف ظهور(CPM) وإمكانية العرض، الخ. 

من الطبيعي، إذًا، أن يشعر أعضاء الفرق بالذنب في بعض الأحيان إذا لم يحددوا المقاييس التي ستظهر نجاحهم أو النجاح الذي يريدون تحقيقه أو السلوك الذي يسعون إلى قيادة الجمهور إليه.  

وإذا أردت قياس نجاح إعلانات العرض أو الديسبلاي (Display ads)، لا يجدي النظر إلى نسبة النقر لدخول الموقع. فلا ينقر روّاد الإنترنت عادة على إعلانات الديسبلاي، ومن هنا اعتبار بيتر وينبرغ (يعمل لدى لنكدإن في قسم تطوير الأسواق وكتب مدونة عن الموضوع) نسبة النقر لدخول الموقع مؤشرًا سلبيًا. وفي المحصلة، تصلح إعلانات الديسبلاي لزيادة الوعي وليس للحصول على النقرات. وعلى الرغم من ذلك، تُقاس نسبة النقر لدخول الموقع باستمرار لحملات إعلانات الديسبلاي. 

لماذا نثق بالبيانات المدفوعة والمملوكة أكثر من البيانات المكتسبة؟

ما دامت البيانات المدفوعة والمملوكة غير مبنيّة على أسسس متينة ولا تثبت فعاليّتها وتأثيرها دائمًا وينتج منها الأخطاء نفسها التي تنتج من بيانات وسائل الإعلام المكتسبة، فلماذا يثق بها أعضاء مجالس الإدارة والمسؤولون التنفيذيون؟ ولماذا تستمر البيانات المدفوعة والمملوكة في الحصول على الحصة الأكبر من ميزانيّة قسم التسويق والاتصالات؟    

للّوغاريتم والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا حسٌّ من ساحر أوز – قليلون هم الذين يعلمون ما يحصل خلف الكواليس.       

أعتقد أنّ لا بد هنا من أخذ بعض الأمور بعين الاعتبار.   

 أولًا، وراء البيانات المدفوعة والمملوكة خبراء مخصصين لتحليل المقاييس والإحصائيات بين أيديهم. ويبذلون ما يلزم من وقت وجهد للتحقق من البيانات والتأكّد من أنّ الأرقام موثوقة. 

لكن ثمة بعض الإفتراضات التي تحوط ببيانات وسائل الإعلام الرقميّة. فللّوغاريتم والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا حسٌّ من ساحر أوز – قليلون هم الذين يعلمون ما يحصل خلف الكواليس، ومع ذلك تذهلهم النتائج.  

ولسخرية القدر، أظن أنّ عنصر السرد يضطلع بدور أساسي هنا. فالحملات المدفوعة والمملوكة تسرد قصصها ونجاحاتها في عرض البيانات بطريقة أكثر إقناعًا لأنّ الفرق التي تكتبها واثقة من عملها وترتاح في التعامل مع هذا النوع من المعلومات كما تشمل أشخاصًا قادرين على استعراض المحتوى بطريقة تفاعليّة. وهذا ما يجدر بمحترفي الظهور الإعلامي ووسائل الإعلام المكتسبة إتقانه. 

ما المغزى من القصة؟ البيانات المكتسبة بجودة البيانات المدفوعة والمملوكة 

لا تقوم البيانات على التعارض مع الإبداع وسرد القصص، بل هما يشكلان جوهرها. ففي نهاية المطاف، ما البيانات سوى معلومات والقصص قطع معلومات متداخلة في سرد؟  

وبدلًا من النظر إلى البيانات بخوف أو التفكير في نجاحات البيانات في مجالات اتصالات أخرى، على محترفي وسائل الإعلام المكتسبة والظهور الإعلامي اعتبار البيانات وسيلة للقيام بما يتقنونه – أي سرد قصص مقنعة وتفاعليّة.     

لا تظنّ أنّ الآخرين (الذين يعملون في البيانات المدفوعة والمملوكة) أفضل منك، إذ ليس الأمر، بكل بساطة على هذا النحو. 

نصيحتي لمحترفي الظهور الإعلامي ووسائل الإعلام المكتسبة التالية:  لا تظنّ أنّ الآخرين (الذين يعملون في البيانات المدفوعة والمملوكة) أفضل منك، إذ ليس الأمر، بكل بساطة على هذا النحو. ولا تخشَ من أن تخذلك البيانات أو أن يصعب عليك فهمها. كل ما عليك فعله هو طرح الأسئلة التالية: ما الذي تحاول تحقيقه وما الذي تفعله غير تحقق غايتك وكيف سيبدو الأمر عندما تنجز ما أردت؟ قم بذلك وسترى عملك بجودة عمل أصحاب البيانات المدفوعة والمملوكة. كما أنّك ستتمكّن من إثبات قيمتك. 

تعمل أورلا كمديرة حسابات في شركة كرما ولديها خبرة تصل إلى 13 عامًا في مجال التحليل الإعلامي وفهم المعلومات. تولي أورلا أهميّة خاصة بالقطاع غير الربحي وساهمت في كتابة فصل عن التقييم في كتاب “الاتصال من أجل قضيّة: العلاقات العامة الاستراتجيّة في القطاع غير الربحي” (Communicating Causes Strategic public relations for the non-profit sector)، كتبه نيكي غارستن واييان بروس ونُشر عام 2018. هي أيضًا عضو في الرابطة الدولية لقياس الاتصالات وتقييمها (AMEC) ومجموعة قادة الشباب. وبالإضافة إلى شغفها بمجال القياس، تراها تغني مع جوقة Some Voices في لندن أو تحدق بالكلاب الموجودة في الحديقة مقابل شقتها.

ابقَ على تواصل مع كارما.

اشترك لتلقي النشرة الإخبارية المتعلقة بمعيار القياس لتبقى على اطلاع دائم على آخر أخبار القطاع والأحداث والمحتوى.

اشترك